ابن عجيبة
416
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فأنزل فيما قال المنافقون : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ بارتداده فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ على نعمة الإسلام بالثبات عليه ، كأنس وأضرابه ، وَما كانَ ينبغي لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بإرادته ومشيئته ، أو بإذنه لملك في قبض روحه ، والمعنى : أنّ لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه ، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم ، بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه ، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد للرسول بحفظه وتأخر أجله ؛ فإن اللّه تعالى كتب أجل الموت كِتاباً مُؤَجَّلًا ؛ مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر . ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة : وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها الجزاء الجليل ، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين شكروا نعم اللّه ، فلم يشغلهم شئ عن الجهاد في سبيل اللّه ، بل كان همهم رضى اللّه ورسوله دون شئ سواه . الإشارة : ينبغي للمريد أن يستغنى باللّه ، فلا يركن إلى شئ سواه ، وتكون بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط ، فإن مات شيخه لم ينقلب على عقبيه ، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود ، وإن لم يتمكن نظر من يكمله ، فالوقوف مع الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم ، فلا يكون شاكرا للمنعم حتى لا يحجبه عنه شئ ، ولما مات - عليه الصلاة والسلام - دهشت الناس ، وتحيرت لوقوفهم مع شهود النعمة ، إلّا الصدّيق ؛ كان نفذ من شهود النعمة إلى شهود المنعم ، فخطب حينئذ على الناس ، وقال : ( من كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حي لا يموت ) . ثم قرأ : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ . . . إلى قوله : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ، وهم الذين نفذوا إلى شهود المنعم ، ولم يقفوا مع النعمة . ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكى ، فقال له : ما يبكيك ؟ قال : مات أستاذي ، فقال له العارف : ولم جعلت أستاذك يموت ؟ وهلا جعلته حيا لا يموت . فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة ، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغنى صاحبه عنه وعن غيره ، بالدلالة على ربه . ثم صبّرهم بما وقع لغيرهم قبلهم فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 146 إلى 148 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 )